السلوك الميكافللي في الادارة

السلوك الميكافللي في الادارة

طالب ضابط: نايف محمد القصير/ دفعة16

1000

 

 

 

 

 

هناك اساليب ادارية معينة يمارسها الموظفون في حياتهم العملية مستمدة من الفكر الميكافللي، وعند تطبيقها في مجال الادارة يمكن أن نطلق عليها معنى الادارة بالاستغلال، كما يمكن تسميتها أيضا بالسياسة الميكافللية.

مفهوم الميكافلليه:

ينسب السلوك الميكافللي الى نيكولو ميكافللي الفيلسوف ورجل الدوله الايطالي الذي عاش حلال الفتره من (1469-1527) وهو من اوائل الباحثين والكتاب في السلوك السياسي التنظيمي. لقد ناقش ميكافللي في كتاباته فعالية السلوك السياسي التنظيمي بغض النظر عن اخلاقيات أو قيم العمل. وبسبب موقفه الثابت وغير القابل للمساومه في هذا المجال فقد كان يعتبر برغماتي متطرف Ultimate pragmatist، اي انه يتبنى ما يسمى بالفلسفه الذرائعيه التي تتخذ من النتائج العمليه مقياسا ًلتحديد وصدق افكارها الفلسفيه (الغاية تبرر الوسيلة). وحديثاً إقترن اسم ميكافللي باستخدام الخداع أو الغدر أو المناوره السياسيه في الاداره. وهكذا اذا تم وصف شخص ما بأنه ميكافللي الاداره فان ذلك يعتبر تحقيرا ًله.

إن الميكافلليـة التي لا تعترف بالعلاقه بين الأخلاق والشؤون السياسيه، تؤمن بأن المكر والخداع والوصولية في العلاقات الإنسانية أمور مبررة للحفاظ على النفوذ والقوه. أي أن الغايه تبرر الوسيله كما سبق ذكره. وهي تبرر إستخدام الإجراءات القاسيه والوحشيه في سبيل الإحتفاظ بالقوه. وفي الوقت الحاضر فان الناس يربطون مفهوم القوه والتأثير باسم ميكافللي.    وفي الاداره المعاصره يرى الكثير أن مفهوم الميكافلليه ليس مفهوما ًإزدرائياً Pejorative term كما يفترض آخرون. وقد بينت الدراسات ان معظم المدراء في المنظمات الحديثه يستخدمون الاسلوب الميكافللي الذي اثبت نجاحه في الحفاظ على النفوذ وضبط سلوك الأتباع.

لقد وضع ميكافللي إطارا” عاما” للإستراتيجية التي يعتقد أن على المدير ممارستها لكي يستطيع من خلالها المحافظة على سلطته وتعزيزها. وتقوم هذه الاستراتيجية على مدخلين للتعامل مع الأفراد، الأول: مدخل الحب والذي يعتمد على أسلوب الحب والاحترام كأساس للقيادة. ولم يفضل ميكافللي هذا الأسلوب لأن الحب يتحكم به الأتباع، وباستطاعتهم قطعه متى شاؤا. أما المدخل الثاني: فهو مدخل الخوف، الذي فضله ميكافللي على الحب لأن المدراء يتحكمون بهذه العلاقة وباستطاعتهم أن يضعفوها أو يقووها حسب رغبتهم. وتعتبر افكار ميكافللي في كتابه (الأمير)، من وجهة نظر العديد من الباحثين في الإداره في القطاعين العام والخاص، قابله للتطبيق ومرشده للنجاح، ومنهم من يرى ان الأداره الحديثه امتدادا”لخصائص الأداره التي دُرست في عهد انبعاث الدوله الايطاليه التي تعكس المعتقدات الميكافلليه واهميتها للقياده الحديثه.

يستخدم مصطلح السياسه politics والقوه والنفوذ power في كثير من الأحيان كمترادفين. ورغم انهما يرتبطان ببعضهما، فهما مفهومين غامضين. ويعرف فيفر pfeffer السياسات التنظيميه بأنها ” النشاطات التي تتم داخل المنظمه لأحراز وتطوير واستخدام النفوذ والمصادر المختلفه لتحقيق نتائج مرغوبه، في وضع يتسم بحاله عدم التأكد أو الاتفاق حول خيارات معينه”.

ويمكن القول ان السلوك السياسي التنظيمي يتضمن دور للقوه والتأثير. وكلمة سياسات politics تتضمن نوع من المفهوم السلبي، ذلك لأنها تدل على محاولة شخص ما استخدام وسائل معينه لتحقيق غايات لا تجيزها المنظمه. اما بالنسبه للقوه power فلا تحمل هذا المفهوم السلبي. ونظرة الشخص الى السياسات والقوه على انها مفاهيم غير ايجابيه أو بغيضه Unsavory يعتمد على عدة اعتبارات مثل موقف الشخص حول مسأله معينه خلال وضع معين. و يتردد الكثير من القاده والمدراء بالاعتـراف بأنهــم يستخدمون الاسلوب السياسي أو يتصفـون به خـلال قيامهـم بمهامهـم.

ان محور مناقشة السلوك السياسي والقوه هنا ينبثق من منظور القائد او المدير الذي يوجه الآخرين. وفيما يتعلق بموضوع السياسه والقوه التنظيميه فان كل العاملين هم اطراف في ذلك سواء كانوا رؤساء او مرؤوسين. ويقول نورتون.إي. لونغ “ان دم الحياه في المنظمات الإداريه هي القوه” The life blood of Administrtion is power.

اما فيما يتعلق بالسلوك السياسي التنظيمي فيعرفه روبنز بأنه تلك النشاطات التي يمارسها الشخص والتي لاتعتبر جزءاً من عمله الرسمي في المنظمه، ولكن ممارستها تهدف الى التأثير أو محاولة التاثير في توزيع المنافع والمضار advantages and disadvantages داخل المنظمه.

ويتضمن هذا التعريف عنصراً اساسياً وهو ان السلوك السياسي التنظيمي يقع خارج متطلبات العمل المحدده. ويمكن التمييز بين نوعين من السلوك السياسي، هما السلوك السياسي الإعتيادي الممكن أو المقبول legitimate political behavior، وهو السلوك السياسي الذي يمارسه الفرد يومياً خلال ادائه لعمله، مثل رفع الشكاوي للمسؤول، تجاوز المراجع احياناً، مخالفة بعض السياسات الإداريه من خلال التباطؤ في اداء الواجبات أو الكسل، أو الالتزام المتزمت بالتعليمات ….الخ. والنوع الثاني هو السلوك السياسي غير المقبول او غير المشروع Illegitimate Political behavior أو المتطرف، والذي يتجاوز المألوف ويتضمن هذا النوع من السلوك التخريب بقصد المحافظه على المصلحه الشخصيه subotage ، تشكيل سلطه أو أتباع، تحريف الارقام والبيانات لتحسين الصوره، نشر الإشاعات المغرضة، تبادل المنافع مع الآخرين لإغراض خاصه على حساب المصلحه العامه ،….الخ.

ان معظم انواع السلوك التنظيمي يقع ضمن النوع الأول، وذلك لإن السلوك السياسي غير المشروع يتضمن مخاطره حقيقيه مثل فقدان العمل أو عقوبات اخرى.

ويرى روبنز أن السلوك السياسي ببساطه هو حقيقة الحياه في المنظمات الإداريه A fact of life، وأن من يتجاهلون السلوك السياسي التنظيمي يتجاهلون حقيقة أن المنظمات عباره عن أنظمه سياسيه Political systems. إن من يعتقد أن الافراد العاملين في المنظمات يمارسون دائماً سلوكاً ينسجم مع مصلحة تلك المنظمات يحملون مفهوماً غير سياسي وغير واقعي حول طبيعة المنظمات. وعلى النقيض من ذلك، فإن المستخدمين في تلك المنظمات يمارسون الكثير من السلوك غير المقبول.

لقد بين روبنز في دراسانه أن المدراء الذين يحصلون على ترقيات في الوظائف أسرع من غيرهم في المجمعات الغربية يقضون 48% من اوقاتهم بممارسة النشاطات والعلاقات الاجتماعيه، ودلت دراسات أخرى ان المدراء اعترفوا صراحة” بأنهم يؤثّرون عن عمد على نتائج تقييم أداء العاملين بتحريف بعض تلك النتائج لغايات واغراض سياسيه، ولم تكن دقة النتائج موضع الإهتمام الأول لهؤلاء المدراء حيث أثَّروا على نتائج تقييم الأداء فعلاً وبشكل مقصود ومنظم للحصول على النتائج التي يرغبونها وتخدم اغراضهم.

نماذج من اساليب السلوك السياسي التنظيمي:

يرى فيسكو أن هناك فنون واستراتيجيات سياسيه political tactics تستخدم من الناحيه الفعليه من قبل القاده والمستخدمين عند ممارستهم لمهامهم ومنها:

–     الاندماج الاجتماعي أو التكامل Integration .

ويتضمن هذا التكتيك المدح والاطراء للرؤساء وزملاء العمل، لأن معظم الأشخاص يقعون في الخطأ والاشكاليات إذا لم يتقبلوا نجاح الآخرين. وفي العلوم السلوكيه فان مفهوم التبادليه الاجتماعيه Social reciprocity، يعمل بنفس مضمون التكامل الاجتماعي، حيث ان هناك التزام اجتماعي لمكافأة الأشخاص الذين يقدمون مأثرةً اجتماعيه أو اطراءً أو تحسين سمعه لزملائهم برد هذا الجميل، وتقديم مكافأه مماثله حيث هناك توقع من قبل الشخص الذي تمدحه بأن يقدم مدحاً مماثلاً، والا يعتبر شخصاً بدائياً وجاهلاً. وبشكل مشابه فان الاندماج الاجتماعي يتضمن تقديم إطراء وملاطفه لشخص يتوقع انه سيشعر انه مجبر لرد هذا الاطراء بشكل أو بآخر .

–          تشكيل التكتلات والشبكاتForming coalitions and net works. وذلك عن طريق مصادقة الأشخاص المهمين. هؤلاء الأشخاص ربما لا يكونون في موقع له قيمه سياسيه، ولكن وظائفهم ربما تزودهم بمعلومات مفيده.

الانطباع الخارجيImpressionManagement .

إن من الفنون السياسيه العمليه التي يلجأ اليها الأشخاص من وقت لآخر هي استخدام المظهر الخارجي فالمؤسسات تفضل الأشخاص الذين يبدون بعض الصفات كالولاء والاهتمام، والأمانه، والأناقه، والنواحي الاجتماعيه وهكذا. ويحاول الأفراد بعنايه الظهور بمثل هذه الصفات الايجابيه للتأثير على الآخرين.

–  إدارة المعلومات Information Management . وذلك باستخدام المعلومات التي لدى الفردأو التي يحصل عليها من غيره للتأثير على بقية الأفراد، فتسريب المعلومات والأخبار الجيده أو السيئه قد يكون له تأثير كبير في تدعيم مصالح شخص ما، او قتل طموحات آخرين. والأفراد الذين يحسنون ادارة المعلومات لن يكونوا ميالين الى نشر معلومات غير صحيحه لأن مصداقيتهم ستتأثر مستقبلاً، وبالمقابل سيعتمدون على خطه حذره في نشر العلومات الصحيحه والقانونيه للوصول الى غاياتهم.

–     ترفيع المعارضينPromote the opposition.

ربما ينظر لذلك بغرابه، ولكن الاسلوب الوحيد لازالة المعارضه يمكن أن يكون عن طريق مساعدة المنافسين، فعلى سبيل المثال، بالامكان إزالة الشخص المنافس بمساعدته ليصبح ناجحا،ً بحيث يتم نقله الى موقع آخر بعيداً في المؤسسه، والتوصيه بتعينه في وظيفه اخرى أو ترفيعه ليلائم قسم آخر في المنظمه، مما يؤدي الى جعل العمل اكثر راحه.

–     متابعة خط المسؤليهPursue Line Responsibility.

ويعني ذلك أن هناك بعض الوظائف داخل المؤسسه دون غيرها ذات علاقه مباشره بمهمتها، وهي التي تعتبر وظائف أساسيه، ومن يشغلون هذه الوظائف يكون لديهم نفوذ معين يزيد على نظرائهم. وهم الذين يصنعون القرارات، ولهم فرص الترقيه للوظائف العليا. لذا فان الطريقه الرئيسيه للحصول على النفوذ في المنظمه هي من خلال السعي الدؤوب للتعيين في مثل هذه الوظائف، وبذل اقصى الجهود لتحقيق ذلك.

السلوك السياسي المراوغDevious Political Tactics.

يضيف فيسكو أن هناك بعض اساليب السلوك السياسي التي تكون شريفه وأمينه في طبيعتها، وتعتبروسائل اكتساب التأثير الايجابي. وبالمقابل فإن هناك اساليب أخرى يصعب ايجاد أرضيه أخلاقيه لها، وتمارس من قبل بعض الافراد لغايات حماية وتعزيز المصلحه الخاصه، و ان من الأهميه التطرق إلى إستراتيجيات السلوك السياسي المخادع والممكن استخدامها وذلك على سبيل التوضيح وتميزها عن النوع الأول الذي ذكرناه، ومن هذه الإستراتيجيات التي يتضمنها السلوك السياسي المراوغ مايلي:

لا تبق سجناء Take no prisoners

من الضروري أحياناً، إتخاذ إجراء غير شائع، وغير مستساغ، مثل تنزيل الرتبه أو النقل أو حسم الراتب بحق العاملين في حال تولي زمام الأمور، ومثل هذه الأعمال غير الشائعه ربما تكون ضروريه رغم انها تفرز أعداء. وأحد الفنون للتعامل مع مثل هذه الاوضاع هو الخلاص بدون رحمه من جميع الاشخاص الذين قد يمتعضون من عملك بطردهم أو نقلهم من المنظمه.

فرق وأحكمDivide and conquer

ويتضمن هذا التكتيك افتعال المشكلات بين شخصين أو اكثر للأبقاء على عدم الاستقرار و ليكونوا غير قادرين على مواجهتك. وهذا المفهوم قديم ولكنه لايزال يمارس في بعض الاوضاع الاداريه. ان الاشخاص المجردين من المبادئ الاخلاقيه unscrupulous الذين يستخدمون هذا التكتيك عادة يشجعون التشاحن بين المتنافسين وذلك بنشر الاشاعات أو الحض على التنافس بين المرؤسين.

 

استبعد المعارضه Exclude the opposition

ومن السلوك التنظيمي المراوغ ايضاً استبعاد المنافسين من الاجتماعات الهامه والمناسبات الاجتماعيه،وهذا يمكن تحقيقه عن طريق جدولة تلك الاجتماعات في الاوقات التي يكون فيها المنافسين في اجازتهم أو خارج العمل أو يحضرون اجتماعات اخرى. وفي غياب المعارضين يكون بالامكان التاثير على القرارات، والحد من آثار نشاطات المعارضين.

وتشير الأمثلة في الإدارة الحديثة إلى أن الأفكار الميكافلليه موجودة وممارسة. ففي نهاية الستينات من القرن الماضي ظهر كتاب “الإدارة وميكافللي” على قائمة أكثر الكتب مبيعا”، حيث اختار الكاتب أنتوني جي عدة أفكار ميكافللية وطبقها بنجاح في شركات كبيرة، وخلص إلى القول بأنه وعلى الرغم من حقيقة قلة اهتمام المؤرخين الأكاديميين في الإدارة بالميكافللية، فإن أفكارها ما زالت تقدم نصائح كبيرة وعاجلة، وملاحظات صحيحة للإدارة العليا للشركات الكبرى في العالم في القطاعين العام والخاص.

 

مقالات ذات صله